القيمة المعاصرة للتعاون المتعدد الأبعاد بين الصين والسعودية
بقلم: باي يوي إعلامي صيني
في مرحلة مفصلية تدخل فيها آلية تعاون دول بريكس عقدها الثالث، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال مشاركته في الاجتماع الثامن عشر لقادة دول بريكس، مبادرة تدعو دول بريكس إلى أن تكون “الرواد الأربعة” في تعزيز التنمية المبتكرة، والحفاظ على السلام والاستقرار، ودفع التبادل والتفاعل بين الحضارات، وإصلاح الحوكمة العالمية وتحسينها. وقد رسمت هذه المبادرة اتجاها واضحا أمام دول الجنوب العالمي لتعزيز وحدتها وتعاونها، كما ارتقت بالمكانة الاستراتيجية لتعاون بريكس، وعززت عزم دولها وثقتها بقدرتها على الاعتماد على الذات والعمل المشترك.
وباعتبارها شريكا استراتيجيا مهما للصين في منطقة الشرق الأوسط، فإن التعاون العملي الشامل والمتعدد الأبعاد بين السعودية والصين يمثل تجسيدا حيا لمفهوم “الرواد الأربعة” على المستوى الثنائي، ويقدم نموذجا جديرا بالاستفادة منه للتعاون بين دول الجنوب في العصر الجديد.
تمثل التنمية المبتكرة السمة الأساسية للتعاون العملي بين الصين والسعودية. فهناك تكامل كبير بين قدرات الصين على الارتقاء الصناعي واحتياجات المملكة إلى التحول الاقتصادي في إطار “رؤية السعودية 2030″، وقد تجاوز التعاون بين البلدين منذ فترة طويلة نطاق تجارة الطاقة التقليدية، ليمتد إلى الابتكار عبر مختلف حلقات سلاسل الصناعة. فمن ربط محطة الشعيبة للطاقة الشمسية الكهروضوئية التي تنفذها شركة صينية لتوليد الكهرباء بالشبكة، لتعزيز قدرة السعودية في التحول للطاقة الخضراء، إلى المشاركة المتعمقة للشركات التكنولوجية الصينية في البنية التحتية الرقمية والمدن الذكية في المملكة، بما يدعم مسيرة التحول الرقمي فيها؛ ومن تطوير مشروع المصفاة المشتركة في ينبع وتوسيع نطاق التعاون ليشمل سلسلة الصناعات البتروكيماوية، إلى تنامي التعاون في المجالات الناشئة مثل مركبات الطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي، تعمل الصين والسعودية على جعل الابتكار حلقة وصل بينهما، وفتح قنوات الربط بين القدرات الإنتاجية والتكنولوجيا والأسواق، وتحويل مزايا التكامل في الموارد إلى محركات للتنمية، بما يضخ حيوية مستدامة في مسيرة التنمية الاقتصادية عالية الجودة في البلدين.
ويمثل الحفاظ على السلام والاستقرار جوهر التعاون الاستراتيجي بين الصين والسعودية. ففي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يحرص البلدان على التمسك دوما بالاحترام المتبادل والمساواة في التعامل، وتقديم الدعم المتبادل بحزم في القضايا التي تمس المصالح الجوهرية لكل منهما، والعمل المشترك على ترسيخ مفهوم مستدام للأمن. كما يحافظ الجانبان على تعاون وثيق بشأن أمن ممرات الطاقة الحيوية، ومنها مضيق هرمز، بما يسهم في صون استقرار أسواق الطاقة العالمية.
إن تعزيز التفاعل والتبادل بين الحضارات يشكل الأساس الشعبي الراسخ للصداقة بين الصين والسعودية. ففي إطار “العام الثقافي الصيني السعودي” الذي أقيم العام الماضي، نظمت تباعا نحو مئة فعالية للتبادل والتواصل، كما أدرجت العديد من المدارس والجامعات السعودية مقررات للغة الصينية، لتصبح هذه المبادرات جسرا حيويا لتعزيز التقارب بين الشعبين. ومن الزيارات المتبادلة بين الشباب إلى التبادل الأكاديمي، تتواصل عملية ترسيخ الأساس الاجتماعي للصداقة الصينية السعودية، بما يوفر أيضا نموذجا عمليا للتعايش المتناغم بين الحضارات المختلفة.
ويمثل إصلاح الحوكمة العالمية وتحسينها مسؤولية دولية مشتركة تضطلع بها الصين والسعودية. وبصفتهما عضوين مهمين في الجنوب العالمي، يلتزم البلدان بدفع منظومة الحوكمة العالمية نحو مزيد من العدالة والإنصاف والعقلانية. ويتعاون الجانبان بشكل وثيق ضمن آليات متعددة الأطراف، من بينها الأمم المتحدة ومجموعة العشرين وبريكس، للدفاع المشترك عن التعددية وتعزيز صوت دول الجنوب العالمي؛ كما يعملان معاً في مجال الحوكمة العالمية للطاقة على دعم استقرار أسواق الطاقة واستكشاف تسوية تجارة النفط بالرنمينبي، بما يطرح أفكاراً جديدة لمعالجة الاختلالات القائمة في منظومة حوكمة الطاقة العالمية. ومن خلال توظيف التعاون الثنائي لدفع التعاون متعدد الأطراف، يسهم البلدان في جعل منظومة الحوكمة العالمية أكثر شمولا وتمثيلا.
ومع الوقوف على نقطة انطلاق جديدة بمناسبة الذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والسعودية، تمثل “الرواد الأربعة” بوصلة تحدد الاتجاه وإطارا يوجه العمل في آن واحد. وإن مواصلة الصين والسعودية تعميق تعاونهما المتعدد الأبعاد لن تعود بالنفع على شعبي البلدين فحسب، بل ستضخ أيضا مزيدا من اليقين في تعميق التعاون وتحقيق نتائج أكثر ملموسية، وفي تعزيز وحدة دول الجنوب العالمي واعتمادها على قدراتها الذاتية.



