شكّلت “الجُبّة” لعقود طويلة عنوانًا لشتاءٍ دافئ في الباحة، ورمزًا للموروث الشعبي الذي يعكس خصوصية البيئة الجبلية وطبيعة المناخ، قبل أن يتراجع حضورها في ظل تحولات الذوق العام وتسارع أنماط الحياة الحديثة،
تُعد الأزياء التقليدية أحد أبرز مكونات الثقافة المجتمعية، إذ ترتبط بالعادات والتقاليد، وتعبّر عن علاقة الإنسان ببيئته. وفي الباحة، جاءت «الجُبّة» تجسيدًا حيًا لهذه العلاقة؛ فهي لباس شتوي تقليدي صُمم ليتلاءم مع الأجواء الباردة للمنطقة، ويمنح مرتديه الدفء والحماية، إلى جانب ما يحمله من دلالات اجتماعية وهووية.
حرفة دقيقة وجماليات متقنة
تأتي «الجُبّة» في هيئة رداء فضفاض يغطي كامل الجسم للرجال، بينما تُصمَّم للنساء لتغطي الجزء العلوي. وتتميّز بكمّين طويلين وفتحة أمامية، مع أشرطة تزيّن حاشيتها من الأسفل إلى الأعلى. كما تتوشح الأكمام بزخارف ذهبية دقيقة تتداخل مع اللون الأحمر، ما يمنحها حضورًا لافتًا يعكس عناية الصنّاع بالتفاصيل.
وتُصنع الجُبّة من الحرير أو من صوف الغنم الأبيض بعد غزله يدويًا، في عملية تستغرق أكثر من 30 يومًا من العمل المتواصل. ويبلغ طولها نحو 120 سنتيمترًا، وعرضها قرابة 140 سنتيمترًا، ويصل وزنها إلى نحو 10 كيلوغرامات، ما يجعلها قطعة ثقيلة في مادتها، غنية في قيمتها التراثية والجمالية. وتُعرف أيضًا بأسماء أخرى مثل «البجاد» و«البيدي».
من لباس يومي إلى قطعة تراثية
ورغم مكانتها في الذاكرة الشعبية، يشير عدد من أبناء المنطقة إلى أن صناعة الجُبّة واقتناءها تراجعا في السنوات الأخيرة، مع انتشار الأزياء الحديثة وتبدل أنماط اللباس الشتوي. وبات حضورها اليوم يقتصر غالبًا على المتاحف التراثية أو المناسبات والفعاليات التي تستحضر الموروث المحلي.
وبين الماضي والحاضر، تبقى «الجُبّة» شاهدًا على مرحلة كانت فيها الأزياء امتدادًا مباشرًا للبيئة والهوية، حين ارتبط الدفء بقيمة الحرفة، وحملت قطعة القماش حكاية أرض وإنسان، لا تزال حاضرة في الوجدان، وإن توارت عن المشهد اليومي.