
بقلم نورة حفيّظ
في السنوات الأخيرة، شهد العالم تحوّلًا ملحوظًا في نظرة الأفراد إلى العناية بالشعر، حيث بدأ الاهتمام يتجه تدريجيًا نحو العلاجات الطبيعية، بعد عقود من الاعتماد على منتجات تُصنَّف “حديثة” مثل الكيراتين والبروتين والكافيار.
هذا التحوّل لم يكن مجرد موضة عابرة، بل جاء نتيجة وعي متزايد بالمخاطر المحتملة لبعض المكوّنات الكيميائية التي تدخل في تركيبة هذه المنتجات، وتأثيرها على صحة الشعر وفروة الرأس على المدى الطويل.
في ظاهرها، تعد هذه العلاجات حلاً سريعًا للحصول على شعر ناعم ولامع، لكن خلف هذا البريق تختفي أحيانًا تركيبات كيميائية مثيرة للجدل.
من أبرز هذه المواد ما يُعرف بـ”الفورمالديهايد” (Formaldehyde)، أو مشتقاته التي تُستخدم في بعض منتجات فرد الشعر.
هذه المادة تُستعمل في مجالات طبية، من بينها حفظ الأنسجة، وهو ما جعلها محطّ قلق واسع. ورغم أن بعض الشركات تعمد إلى تقليل نسبتها أو استبدالها بمركبات أخرى، إلا أن الإشكال يظل قائمًا، خاصة في ظل غياب الشفافية الكاملة في بعض الأسواق.
الفورمالديهايد، عند تعرّضه للحرارة أثناء عملية التصفيف، قد يتحول إلى غاز يمكن أن يسبب تهيّجًا في العينين والجهاز التنفسي، فضلًا عن تأثيراته المحتملة على بنية الشعر نفسه، إذ قد يؤدي الاستخدام المتكرر إلى جفافه، ضعف جذوره، ومن ثم تساقطه. وهنا تكمن المفارقة: ما يُسوَّق على أنه علاج، قد يتحول مع الوقت إلى سبب مباشر للتلف.
في السياق التونسي، لا تزال هذه المسألة تطرح العديد من التساؤلات.
فبالرغم من انتشار هذه العلاجات في صالونات التجميل، يلاحظ غياب نسبي لثقافة التوعية لدى الحرفاء، وأحيانًا حتى لدى بعض المهنيين. ويُلاحظ كذلك تجنّب استعمال مصطلحات مثل “دفريزاج” Défrisage (أي الفرد الكيميائي و هو عملية كيميائية بحتة تُستعمل لفرد الشعر المجعد أو المموّج وجعله ناعمًا ومستقيمًا و تعتمد على تفكيك الروابط الطبيعية في الشعرة “خاصة روابط الكيراتين” ثم إعادة تشكيلها بشكل مستقيم).
، واستبدالها بتسميات أكثر جاذبية تسويقيًا، وهو ما قد يخلق نوعًا من الالتباس لدى المستهلك.
هذا الواقع يفتح باب النقاش حول العلاقة بين الربح والمسؤولية المهنية. إذ أن الإقبال الكبير على هذه الخدمات، مدفوعًا بالرغبة في نتائج فورية، يشجع بعض الفاعلين في القطاع على التغاضي عن الجوانب الصحية، أو التقليل من أهميتها. وفي غياب رقابة صارمة أو وعي استهلاكي كافٍ، يصبح الحريف الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
لكن، في مقابل ذلك، يبرز توجه عالمي متنامٍ نحو بدائل أكثر أمانًا واستدامة. فالعناية الطبيعية بالشعر لم تعد تقتصر على وصفات تقليدية، بل أصبحت مجالًا متطورًا يجمع بين المعرفة العلمية والمكونات النباتية. من بين هذه البدائل، نجد الزيوت الطبيعية مثل زيت الأركان، زيت الخروع، وزيت جوز الهند، التي تُستخدم لتغذية الشعر وتعزيز قوته ولمعانه دون الإضرار ببنيته.
كما انتشرت تقنيات العناية بالبروتينات الطبيعية غير المعالجة كيميائيًا، إضافة إلى ماسكات الشعر المصنوعة من مكونات بسيطة مثل البيض، العسل، والأفوكادو. ورغم أن نتائج هذه الطرق قد تكون أبطأ مقارنة بالعلاجات الكيميائية، إلا أنها تضمن استمرارية الصحة والجمال دون آثار جانبية خطيرة.
ولا يقتصر الأمر على المنتجات فقط، بل يشمل أيضًا تغييرًا في نمط العناية بالشعر، مثل تقليل استخدام الحرارة، تجنب الغسل المفرط، واعتماد روتين يناسب طبيعة الشعر بدل محاولة تغييره جذريًا.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن الرغبة في الجمال أمر مشروع، بل فطري. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق هذا الجمال دون الإضرار بالصحة.
وبين إغراء النتائج السريعة وضرورة السلامة، يبقى الوعي هو العامل الحاسم. فالمستهلك المطلع، القادر على طرح الأسئلة وفهم ما يُوضع على شعره، هو الضامن الأول لحماية نفسه.
أما في تونس، فإن المرحلة القادمة تقتضي جهدًا مشتركًا بين المهنيين، الجهات الرقابية، ووسائل الإعلام، لنشر ثقافة تجميل قائمة على الشفافية والمسؤولية.
فالجمال الحقيقي لا يُقاس بمدى نعومة الشعر لحظيًا، بل بقدرته على الاحتفاظ بصحته وحيويته على المدى الطويل.