عندما يفكر معظم الناس في “الأكل الصحي“، ينصب التركيز عادة على نوعية الطعام، مثل تقليل الدهون أو زيادة الخضراوات. لكن دراسة حديثة، بحسب تقرير في The Conversation، تشير إلى أن الصورة أوسع بكثير، وأن الطريقة التي نأكل بها قد تكون أكثر أهمية مما نأكله.
ولفت الباحثون إلى أن التركيز المفرط على “الأكل النظيف” قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية، كما في حالة اضطراب يُعرف بـ”الأورثوريكسيا”، حيث يتحول السعي نحو الغذاء الصحي إلى هوس يؤثر على جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية.
وتشير الأبحاث إلى أن مفهوم الأكل الصحي بدأ يضيق منذ الثمانينيات مع تصاعد القلق من السمنة، حيث تم اختزاله في السعرات والوزن. لكن هذه المقاربة، رغم انتشارها، لم تنجح في خفض معدلات السمنة، بل ارتبطت بزيادة اضطرابات الأكل.
وفي المقابل، يظهر توجه جديد يركز على “تجربة الأكل” نفسها، وليس فقط مكوناته. ويُعرف هذا النهج بـ”الأكل الحدسي”، الذي يعتمد على الاستماع لإشارات الجسم مثل الجوع والشبع.
وأظهرت نتائج عدة أن هذا الأسلوب يرتبط بتحسن الصحة الجسدية والنفسية، إضافة إلى جودة النظام الغذائي. كما ارتبط بانخفاض مؤشر كتلة الجسم لدى بعض المشاركين.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تبين أن تناول الطعام في أوقات منتظمة، ومع الآخرين، يعزز من الصحة العامة، ما يعكس البعد الاجتماعي للأكل.
لماذا يبدو الأمر صعبًا؟
رغم هذه الفوائد، يواجه كثيرون صعوبة في تطبيق هذا النهج. فبيئة الطعام الحديثة مليئة بالمحفزات، من الوجبات السريعة الرخيصة إلى التسويق المكثف، ما يدفع نحو الإفراط في الأكل وتجاهل إشارات الجسم.
كما تلعب العادات اليومية والضغوط النفسية دورًا في ما يُعرف بـ”الأكل العاطفي”، وهو ما يعقّد العلاقة مع الطعام.
ويقترح الباحثون البدء بملاحظة إشارات الجوع والشبع، التي تختلف من شخص لآخر. كما ينصحون بإعادة النظر في فكرة “الأطعمة الممنوعة”، حيث قد يساعد إدخال كميات صغيرة منها في تقليل الشعور بالحرمان.
ومن الجوانب التي غالبًا ما يتم تجاهلها، تناول الطعام مع الآخرين بدلًا من الأكل السريع أو الفردي، لما له من أثر إيجابي على السلوك الغذائي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الأكل الصحي ليس قائمة قواعد صارمة، بل علاقة مرنة ومتوازنة مع الطعام. ومع ذلك، لا يمكن تعميم هذه النتائج على الجميع، خاصة لمن لديهم حالات صحية تتطلب أنظمة غذائية محددة.
وفي النهاية، يبدو أن الطريق إلى غذاء أفضل لا يبدأ فقط من الطبق، بل من طريقة التفكير والتعامل مع الطعام نفسه.