شكّلت الأزياء التراثية في الدرعية أثناء فترة الدولة السعودية الأولى مرآةً واضحة للحراك الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته المنطقة، إذ عكست أنماط اللباس تنوع مصادر المنسوجات، وارتباط الدرعية بشبكات تجارة إقليمية امتدت إلى الشام والعراق والهند واليمن.
وتحظى كل منطقة من مناطق البلاد بزي خاص متنوع ومختلف عن باقي المناطق اختلافاً طفيفاً نتيجة حالة التنوع الثقافي في البلاد التي انطلقت نواة تأسيس دولتها الأولى عام 1727 وعاصمتها الدرعية على يد الإمام محمد بن سعود.
في سياق متصل، يرتدي رجال المنطقة الشرقية زياً ذا لون البني منقوش بالذهبي، من دقلة وثوب مردون، وعلى الرأس غترة بيضاء وعقال مقصب بلون بني، بينما نساء المنطقة ذاتها يرتدين قماش أخضر بمختلف درجاته، وينقش عليه بلون ذهبي، ويتكون من دراعة وثوب النشل.
أما الرجال بالمنطقة الوسطى فلهم زيان، أحدهما يعتمد في ألوانه على الأحمر والبني بدرجاتهما، ويتكون من ثوب فوقه بشت البرقاء، وعلى الرأس غترة حمراء مثبتة بعصابة بلون أحمر داكن.
والزي الآخر يعتمد على الأبيض والأسود والذهبي، ويتكون من زبون مختلط اللون بين ذهبي وأبيض، فوقه بشت أسود، وعلى الرأس غترة بيضاء محكمة بعقال سداسي الشكل ذهبي وأسود اللون.
وللنساء زيان في المنطقة ذاتها أيضًا معتمدان على الأسود في قوامها، أولهما ثوب أسود مزركش في أعلاه بتطريز بألوان بين الأحمر والأخضر والأصفر، وكذا حواف الثوب مزينة بذات التطريز، وعلى الرأس شيلة بلون أسود.
في إطار مشابه، يرتدي الرجال في المنطقة الغربية زيًا بنيًا بمختلف درجات اللون، مكوناً من ثوب مردون، وفوقه بشت، وعلى الرأس غترة بيضاء وعقال مقصب ذهبي كما أن لهم زي آخر من ثوب أبيض ووشاح ذات لون داكن، وعلى الرأس طاقية ملونة وعمامة بيضاء.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المنسوجات القطنية كانت تُستخدم على نطاق واسع لصناعة ملابس الأهالي، في ظل اعتماد الصناعات المحلية على أدوات بدائية نسبيًا، حيث لبست نساء الدرعية عادة نوعين من الثياب الأول ثوب أو قميص يُعرف ب «الكرباس» مصنوع من القطن، ويفضلن فيه اللونين الأخضر والأسود، ويُجلب من نواحي الأحساء والقطيف والبحرين وجوانب اليمن، وهي مناطق عُرفت تاريخيًا بازدهار تجارة الأقمشة، أما النوع الثاني فكان ثوبًا مصنوعًا من الحرير عالي الجودة، بألوان متعددة، ما يعكس تباين الاستخدام بين الحياة اليومية والمناسبات.
ومن الأزياء البارزة لدى نساء الدرعية ونجد «العباءة القيلانية»، التي كانت تُرتدى عادة عند الخروج أو استقبال الضيوف، وتُصنع بنسبة محدودة في الدرعية والأحساء، بينما كان معظمها يُجلب من العراق، ما يؤكد امتداد الروابط التجارية بين نجد وبلاد الرافدين
كما لبست بعض النساء الحرير الهندي الملون، الذي بلغت قيمته أحيانًا نحو 20 ريالًا، وهو مبلغ يُعد مرتفعًا بمقاييس تلك المرحلة، ما يشير إلى مكانته كلباس فاخر يُرتدى في المناسبات.
الزينة والعطور.
في حين يتكون زي رجال المنطقة الجنوبية من ثوب أبيض عليه بيدي لونه مائل للحمرة الفاتحة، وعلى الرأس عصابة بيضاء، فيما يتكون زي رجال المنطقة الشمالية من ثوب مردون أبيض وعليه بشت بني وعلى الرأس غترة خضراء داكنة مثبتة بعقال بني.
ولم تقتصر الأناقة على الثياب، بل امتدت إلى الزينة؛ إذ استُخدم الكحل لتجميل العينين، والحناء لصبغ الأظافر وقبضة اليد، كما كانت النساء يرفعن شعورهن في ضفائر مزينة باللؤلؤ والجواهر. وتطيبن بعطور طبيعية مصنوعة من المسك والعنبر، وهما من أندر وأغلى المواد العطرية في ذلك الزمن.
ويؤكد مؤرخون أن ازدهار الدرعية في القرن الثامن عشر الميلادي، بوصفها عاصمة الدولة السعودية الأولى، أسهم في تنشيط الحركة التجارية واستقطاب القوافل، ما أتاح تنوع الأقمشة والمنتجات الوافدة كما لعب موقع نجد الوسطي دورًا في ربط طرق التجارة بين شرق الجزيرة العربية وغربها وشمالها، وهو ما انعكس بوضوح على تنوع الأزياء النسائية وجودتها.
وتبقى هذه التفاصيل شاهدة على جانب اجتماعي مهم من تاريخ الدولة السعودية الأولى، حيث لم تكن الأزياء مجرد مظهراً، بل تعبيرًا عن مكانة اجتماعية، وامتدادًا لروابط اقتصادية وثقافية مع محيط إقليمي واسع، وفقاً لمؤرخين.