هناك لحظات في صناعة السيارات لا تُعلن نفسها بالضجيج. لا موسيقى، ولا عروض، ولا فيديو وداعي. فقط بيان مقتضب ثم صمت.
هكذا ودّعت تسلا طرازي Model S وModel X. بهدوء يليق بقرار كبير، وربما أكبر مما يبدو للوهلة الأولى. فالأمر لا يتعلق بإيقاف سيارتين، بل بإغلاق فصل كامل من تاريخ الشركة التي غيّرت شكل الطريق قبل أن تغيّر شكل العجلات.
Model S.. أكثر من سيارة
أول مرة قرأنا فيها مراجعة Model S عام 2012، لم تكن الأرقام هي ما شدّنا. كان الشعور.
فكرة أن سيارة كهربائية يمكن أن تكون سريعة، وفاخرة، ومقنعة دون اعتذار. Model S لم تطلب الإعجاب، بل فرضته، وكسرت الحاجز النفسي قبل التقني، وأجبرت السوق والمستهلك على إعادة التفكير في معنى الأداء، ومعنى المستقبل. لم تكن مثالية، لكنها كانت جريئة، وهذا كان كافياً.
Model X.. الجرأة التي انقسم حولها الجميع
Model X كانت حكاية أخرى، أبواب Falcon Wing لم تكن مجرد تفصيل تصميمي، بل إعلان نوايا. أحبها من أحبها، وانتقدها من انتقدها، لكنها لم تمر مرور الكرام. كانت سيارة تحاول أن تكون مختلفة في سوق تزدحم بالتشابه. أحياناً نجحت، وأحياناً تعثرت. لكنها، في كل الأحوال، وسّعت تعريف سيارات الكروس أوفر الكهربائية، ولو بثمن تقني وتسويقي مرتفع.
القرار الذي لا يُقال كله
رسمياً، الحديث يدور حول التوجه إلى المستقبل.
واقعياً، السوق تغيّرت، والمنافسة أصبحت أشرس، والهامش لم يعد يحتمل منتجات رمزية بتكلفة عالية ومبيعات محدودة. Model S دخلت عامها الثالث عشر. Model X تجاوزت العقد. وفي عالم يتغير كل 24 شهراً، هذا عمر طويل جداً.
من خطوط الإنتاج إلى خطوط الرهان
التحول الأهم ليس إيقاف الطرازين، بل ما سيحل مكانهما. مصنع Model S وModel X لن ينتج سيارات بعد الآن، بل روبوتات Optimus. قرار كهذا لا يصدر عن شركة تفكر في الربع القادم فقط، بل عن شركة تراهن على هوية جديدة بالكامل. إيلون ماسك لا يرى تسلا كشركة سيارات. ربما لم يرها كذلك يومًا. السيارات كانت الوسيلة. الآن، الرهان أكبر وأكثر مخاطرة.
الأرقام تتكلم بهدوء قاسٍ
في 2025، باعت تسلا أقل من 19 ألف سيارة من Model S وModel X مجتمعين. للمقارنة، باعت أكثر من 37 ألف Model 3 في ربع سنة واحد. Model Y وحدها تجاوزت 357 ألف وحدة في عام واحد. الأرقام هنا لا تحتاج تفسيراً طويلاً. إنها تقول ما يكفي، دون أن ترفع صوتها.
قرار منطقي بثمن معنوي
اقتصادياً، القرار بارد ومنطقي. Model 3 وModel Y هما العمود الفقري للتدفقات النقدية. حجم، وكفاءة، وانتشار. لكن التخلي عن Model S وModel X له ثمن غير مُدرج في الميزانية، الصورة الذهنية. فهذه الطرازات لم تكن تحقق الربح الأكبر، لكنها كانت تبرر السردية. كانت تقول للعالم: نحن من بدأ هذا كله. والسؤال الآن: من سيحمل هذه الراية؟